بين حلمين: رحلة إيثار من الضيافة إلى الصحافة
في مصر، يفتح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وشركاؤها أبواب الأمل للشباب اللاجئين مثل إيثار—لتُثبت الشراكات أنها تصنع الأحلام والمستقبل.
في سن العشرين، تحمل إيثار أكثر من هوية، وأكثر من حلم. فهي لاجئة سودانية وُلدت ونشأت في مصر، وعاشت حياتها مثل أي فتاة شابة أخرى في القاهرة: صباحات المدرسة، الواجبات الدراسية، الصداقات، والمسؤوليات العائلية. وبصفتها الكبرى بين أربع شقيقات، تعلّمت إيثار منذ وقت مبكر معنى القيادة وتحمل المسؤولية.
تقول مبتسمةً وهي تسترجع طفولتها:
"أشعر أنني مصرية أكثر من كوني سودانية. درستُ جميع مراحلي التعليمية في المدارس الحكومية المصرية. مصر هي الوطن الوحيد الذي عرفته حقاً."
لسنوات، سارت حياتها على إيقاع مألوف، إلى أن جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء.
تتذكر إيثار بوضوح اليوم الذي سمعت فيه عن منحة دراسية مقدمة بشكل مشترك من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومؤسسة ساويرس، للدراسة في المدرسة الألمانية للفنادق في الجونة. في البداية، بدا الأمر بعيداً، شبه غير واقعي.
تقول:
"توجهتُ إلى الجهة المنفذة لبرنامج التعليم التابعة للمفوضية حيث أُجريت المقابلة. لم أكن أعرف ماذا أتوقع. وعندما تم قبولي، شعرتُ بمشاعر متداخلة جداً: فرح، حماس، ولكن أيضاً خوف."
كان مغادرة المنزل إلى الجونة أول خطوة حقيقية لإيثار نحو الاستقلال، ولم يكن الجميع مقتنعاً بأنها مستعدة لذلك
توضح:
"كان والدي داعماً جداً لي، لكن والدتي كانت ترى أنني لست مستقلة بما يكفي لخوض هذه التجربة. كانت قلقة، كما هي حال أي أم."
لكن تلك المخاوف سرعان ما تلاشت. فمع أول يوم دراسي، شعرت إيثار بأن الأمور بدأت تأخذ منحى مختلفاً.
تقول بصوت يملؤه الشغف.
.«منذ اللحظة الأولى أحببت كل شيء: الناس، المنهج، البيئة، كل شيء»
وحتى بعد مرور عامين على تخرجها، لا تزال الذكريات تغمرها بالمشاعر.
تضيف:
"تدمع عيناي كلما تذكرتُ الأصدقاء الذين تعرفتُ إليهم والأيام التي قضيناها معاً. لم تكن مجرد مدرسة، بل كانت حياة كاملة."
بعد التخرج، أمضت إيثار عامين تعمل في فندق خمس نجوم في الجونة، حيث اكتسبت الخبرة والثقة في مجال الضيافة. وعلى الورق، كانت تسير بخطى ثابتة نحو النجاح. لكن في داخلها، كان هناك حلم آخر يرفض أن يتلاشى.
تقول:
رغم أنني درست الضيافة، لم أستطع نسيان شغفي بالصحافة. ربما بسبب والدي الراحل، لا أعلم، لكن منذ صغري حلمت بأن أصبح صحفية مثل ريا أبي راشد.
كان والدها صحفياً، وقد توفي، لكن تأثيره ظل عميقاً في حياتها. لم تكن الصحافة مجرد طموح مهني، بل إرثاً، ورابطاً عاطفياً، ووعداً قطعته لنفسها.
ثم جاء اليوم الحاسم.
تقول:
"رأيت إعلاناً عن مدرسة للصحافة تابعة للجامعة الأمريكية بالقاهرة. في اللحظة التي قرأته فيها، عرفت أن هذا هو المستقبل الذي أريده لنفسي."
اليوم، تدرس إيثار في سنتها الثانية في كلية الصحافة، وللمرة الأولى تشعر بأنها منسجمة تماماً مع ذاتها.
تقول بسعادة:
.«لم أكن يوماً أكثر سعادة من الآن. أشعر أخيراً أنني أصبحت أقرب خطوة من حلم طفولتي»
ثم تتوقف لحظة وتضيف بصوت خافت:
.«أنا متأكدة أن والدي العزيز، في السماء، فخور بي»
رحلة إيثار، من المدارس الحكومية في مصر، إلى دراسة الضيافة في الجونة، ثم إلى قاعات الصحافة في القاهرة، ليست مجرد قصة فرص تعليمية. إنها قصة صمود، وهوية، وشجاعة تغيير المسار دون التخلي عن الذات.
وفي سن العشرين فقط، فإن إيثار ما زالت في بداية الطريق.